ابن بسام

212

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

مريم ؟ ما أنتم إلّا السحار ، وما جزاؤكم إلا السّيف والنّار ؛ وهمّ أن يأخذ منها ، فأثبت في صدره العصا ، فجلس القرفصا ، يذري الدّموع ، ويبدي الخشوع . وما منا [ 1 ] أحد إلّا عن الضّحك قد تجلّد . فرقّت له ضلوعي ، وعلمت أنّ اللّه فيه غير مضيعي . وقد تجمل الصّدقة على ذوي وفر ، وفي كل ذي كبد رطبة أجر . فأمرت الحلوانيّ بابتياع أرطال منها تجمع أنواعها التي أنطقته ، وتحتوي على ضروبها [ 2 ] التي أضرعته . وجاء بها وسرنا إلى مكان خال طيّب ، كوصف المهلّبيّ : خان تطيب لباغي النسك خلوته ، * وفيه ستر على الفتّاك إن فتكوا [ 3 ] فصبّها رطبة الوقوع ، كراديس كقطع الجذوع ؛ فجعل يقطع ويبلع ، ويدحو فاه ويدفع ، وعيناه تبصّان [ 4 ] ، كأنهما جمرتان ، وقد برزتا على وجهه كأنهما خصيتان ، وأنا أقول له : على رسلك أبا فلان ! البطنة تذهب الفطنة ! فلمّا التقم جملة جماهيرها ، وأتى على مآخيرها [ 5 ] ووصل خورنقها بسديرها ، تجشّأ فهبّت منه ريح عقيم ، أيقنّا لها بالعذاب الأليم . فنثرتنا شذر مذر ، فرّقتنا شغر بغر ، فالتمحنا منه الظربان ، وصدّق الخبر فيه العيان : نفح ذلك فشرّد الأنعام [ 6 ] ، ونفح هذا فبدّد الأنام ، فلم نجتمع بعدها والسّلام . فاستحسناها وضحكا عليها ، وقالا : إنّ لسجعك موضعا [ 7 ] من القلب ، ومكانا من النّفس ، وقد أعرته من طبعك ، وحلاوة لفظك ، وملاحة سوقك ، ما أزال أفنه ، ورفع غينه [ 8 ] . وقد بلغنا أنّك لا تجازى [ 9 ] في أبناء جنسك ، ولا يملّ من الطعن عليك ،

--> [ 1 ] ب س : وهل هنا . [ 2 ] ب س : صنوفها . [ 3 ] في أخبار ابن القوطية أن ابن هذيل لقيه عائدا من ضيعة له بسفح جبل قرطبة ، فسأله : من أين أقبلت يا من لا شبيه له * ومن هو الشمس والدنيا له فلك فأجابه : من منزل يعجب النساك خلوته * وفيه ستر على الفتاك إن فتكوا ( انظر : ابن خلكان 4 : 369 ) فلعل ابن القوطية تمثل به ، وغير في بعض لفظه . [ 4 ] تبصان : تلمعان ؛ ب س : بنصران . [ 5 ] ب س : آخرها ؛ ط : مناخيرها . [ 6 ] ب س : النعام . [ 7 ] ب س : مرجعا . [ 8 ] ط : عيبه . [ 9 ] ط : تجاري .